728X90

فبراير 27, 2026

الرجل الذي أوقف ١٤ مليار ريال… لم يملكها💰 | د. حمد الجهني

 لا تُقاس الثروات الحقيقية بما يكتنزه المرء في خزائنه، بل بما يتركه من أثرٍ يمتد عطاؤه إلى يوم القيامة. 

لم يكن الشيخ *سليمان بن جاسر الجاسر* -رحمه الله- من أصحاب المليارات، لكنه امتلك ما هو أثمن: قلبًا مسكونًا بـ *همّ الوقف*، وكلمةً صادقةً تثمر عطاءً لا ينضب. 

في ذات ليلةٍ من ليالي العشر الأواخر بمكة المكرمة، ألقى كلمةً نابعة من القلب، فلامست شغاف قلب تاجرٍ خليجي، ليُبادر فورًا بإيقاف ثلث ماله (*ملياري ريال*) 🕋✨. وفي مجلسٍ آخر، أثمر تذكيره عن تبرعات قاربت *المليار ريال*. 

ذلك هو الشيخ سليمان -أبو عبدالرحمن- المدرب المعتمد والمتخصص في استشارات الوصايا والأوقاف، الذي فارق دنيانا في السادس من رمضان ١٤٤٧هـ، تاركًا خلفه بصمةً قل مثيلها في تاريخ القطاع الوقفي السعودي الحديث، رحل وقد حزنت قلوب محبيه ودمعت عيونهم أسفا على فراقه وفواته، ولا يذكرون إلا نبرته الطيبة، ونصيحته المشفقة، وابتسامته المشرقة.


*🎓 من معلّمِ أحياءٍ إلى صانعِ أوقاف*

لم تبدأ حكاية الشيخ سليمان من عالَم المال، بل من فصلٍ دراسيٍّ في *ثانوية العُليا* بالرياض عام ١٤٠٣هـ تقريبًا. حيث تخرج معلّمًا للعلوم التطبيقية من جامعة الملك سعود، لكن همته وشغفه بالعلم الشرعي قاده للالتحاق بـ *كلّية الشريعة* بالتزامن مع عمله، حتّى نال البكالوريوس وانضم لعضوية *الجمعية الفقهية السعودية* — فجمع بين العقل العلمي التطبيقي والتأصيل الشرعي 📚🔬

انتقل بعدها للإشراف التربوي، ثم رئاسة إدارة التوعية الإسلامية بتعليم الرياض، فأسهم في إحداث نقلة نوعية في برامج التوعية والقرآن الكريم، وقدم مئات المحاضرات وآلاف الساعات التدريبية 🎤📖


*🏛️ ربعُ قرنٍ في خدمةِ الوقف*

المحطة الفاصلة في حياته كانت حين دخل عالَم الأوقاف والوصايا ولم يخرج منه حتّى لقي ربّه. كان من المشاركين في العمل في أول مكتب أُسِّس للعناية بالأوقاف بالمملكة (*استثمارات المستقبل*)، ثم أسّس عام ١٤٣٢هـ *مركز "واقف"* لخبراء الوصايا والأوقاف، والذي صار منصّة لتأسيس عشرات المشاريع الوقفية 🏗️🕌


تخصص كخبير في صياغة وثائق الوصايا والأوقاف، وبلغ عدد الوثائق التي ساهم فيها عبر جهده ومركزه *٤٥٨ وثيقة*، و *١٦ لائحة تنظيمية*. كما درّب أجيالًا عبر دورات مجانية معتمدة مثل "*كيف تؤسّس وقفًا متميّزًا*" و"*مهارات المستشار الوقفي*" 🎓✅


*📚 إرثٌ علميٌّ مكتوب*

ترك إرثًا زاخرًا من المؤلفات والرسائل الموسمية التي ربطت الوقف بالمناسبات الشرعية، من أبرزها:

📖 لمحاتٌ مهمّةٌ في الوقف

📖 نبذةٌ مختصرةٌ عن الوصية

📖 فتاوى الوقف

📖 الوقف وأحكامه في ضوء الشريعة

📖 ماذا بعد الممات؟ والكنز المنسي

إلى جانب العديد من اللقاءات والبودكاست المتخصصة 🎙️📡


*🤝 مستشارُ الكبار*

استقطبته أعلى الجهات الرسمية والخيرية؛ فعمل مستشارًا لدى *الهيئة العامة للأوقاف*، و *رئاسة الشؤون الدينية في الحرمين الشريفين*، و *وزارة الصحة*، و *مؤسسة الراجحي الخيرية*. وامتد أثره لدول الخليج حيث طلبوا منه مواءمة المحتوى الوقفي لمذاهبهم الفقهية، ونشر ثقافته بينهم 🌍


*💡 منهجُه: الوقفُ ليسَ إجراءً… بل ثقافة*

حوّل الشيخ سليمان الوقف من إجراء قانوني جاف إلى معنًى حياتي. كان يتبنى "*الاستدامة في الأجر*"، ويوجه الأثرياء بذكاء اجتماعي ومعرفة شرعية. وكم من مرة سأل المؤلفين: "*هل جعلت لكتبك وقفًا يضمن استمرار نشرها*؟" 📚🔑

عمل مع الجميع دون تحيّز لمشروعه الخاص، يُبادر بمساندة المشاريع الناشئة، مما جعله أحد أبرز روّاد العمل الوقفي في المملكة 🌱🇸🇦


*🕌 يومٌ في المدينةِ المنوّرة… كائنٌ وقفي*

شهدتُ بنفسي يومًا من أيّامه حين صحبتُه في *المدينة المنورة*. بدأ صباحه بزيارة جهة رسمية، ثم دعم منشأة وقفية، والتقى بجمعية دعوية  ناشئة رغب في أن يشفع لها بالأجهزة الإلكترونية والأدوات المكتبية من قبل بعض التجار المتخصصين بذلك ممن ساهم بإعداد صكوك وقفيتهم 📞

وفي *وقت الظهر*، اجتمعنا في قصر أحد أكبر وجهاء المدينة، فألحّ عليه بالبقاء في ضيافته، فاعتذر الشيخ سليمان بلطفٍ؛ لأنه استأجر بجوار *المسجد النبوي* ليستثمر *مضاعفة الأجر في الصلاة فيه*.  🕌💚

بالكاد ارتاح في فندقه نصف ساعة قبل أن ينطلق لتقديم دورة لقيادات العمل الوقفي بحيوية تامة ⚡

ولما تأسست *جمعية أحد الوقفية* في المدينة المنورة، كان يحرص على الحضور والتدريب فيها، سعيًا منه لـ *تأسيس أجيال وقفية* تحمل هذا الهم. وكان من عظيم برّه بوالدته أنه كان يأتي أحيانًا للمدينة لإلقاء دورة، ويعود في *نفس اليوم* بالطائرة *برًّا بوالدته* 🤲✨

طوال الطريق كان يوصي بمشروع، ويسأل عن جمعية، ويربط فلانًا بفلان… حتّى تشعر أنّك أمام *كائن وقفي* يتحرك على الأرض.


*💛 الإنسانُ قبلَ الخبير*

خلف هذا الإنجاز، كان *سليمان* ..

سليم الصدر، نقي السريرة، *بارًا بوالديه*، وفيًا لإخوانه. 

لم يُعرف عنه خصومة، وكان يسعى في قضاء حوائج الناس ولا يهدأ حتّى تُقضى. وحين ابتُلي بمرضه، صبر وبقي مشتغلًا بنفع الناس حتّى لقي ربّه ✨


*👨‍👦‍👦 لم يُوقفْ مالًا فحسب… بل أوقفَ ذُرّية*

في المؤتمرات والملتقيات والمعارض الوقفية، يحضر أبناؤه البَرَرة *ونعم الخلف هُم والله، وما مات من أنجبهم ورب الكعبة* فقد تشربوا همّ الوقف من أبيهم بالسليقة. 

لم يترك الشيخ أرقامًا فحسب، بل خلّف *رجالًا* يكملون مسيرته ويحملون رسالته الواحد منهم بألف رجل 💪🌱


*📊 خلاصةُ الأثر الذي نعلمه*

▪️ *١٤ مليار ريال* من الأوقاف التي دلّ عليها.

▪️ *٤٥٨* وثيقة وقفية ووصائية.

▪️ *١٦* لائحة تنظيمية واستراتيجية.

▪️ *٣٣* نسخة من دورة تأسيس الأوقاف.

▪️ *+ ٥٠* لقاءً عبر منصة اللقاءات الوقفية.

▪️ *ربع قرن* في خدمة القطاع الوقفي.


*💡 الختام*

ليس كل مَن ملك المال أوقفه… لكن *سليمان الجاسر* أوقف ما لم يملكه. 

أعظم ما أوقفه لم يكن الأموال التي دلّ عليها فحسب، بل *فكره وعلمه وذريته الصالحة*؛ ليثبت لنا أن *الوقف فكرة تنمو ولا تموت* 🌳✨

نحسبه عند الله كذلك ولا نزكي على الله أحدًا.

*اللّهمَّ اغفرْ لعبدِك أبي عبد الرحمن سليمانَ بنِ جاسرٍ الجاسر وارحمْه، وارفعْ درجتَه في المهديّين، واخلُفْه في عَقِبِه في الغابرين، واغفرْ لنا وله يا ربَّ العالمين، وافسحْ له في قبرِه ونوِّرْ له فيه. اللّهمَّ أَعِذْهُ من عذابِ القبر، وجافِ الأرضَ عن جنبَيه، اللهم إنه في ذمتك وحبلِ جوارِك فَقِهِ من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه، فإنك أنت الغفور الرحيم. واجعلْ كلَّ وقفٍ دلَّ عليه في ميزانِ حسناتِه يومَ يلقاك* 🤲🕌

وإنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعون.


*(تنويه: استفدتُ في كتابة هذا المقال مما سطّره محبّوه وعارفو فضله في تأبينه ورثائه)*

___________