في صباحٍ هادئٍ يختبئ فيه الضوء بين نسمات الفجر، رنّ هاتفي المحمول، وإذا بالمتصل الشيخ سليمان أبا عبدالرحمن الجاسر – رحمه الله – قبل وفاته بعدة أيام.
كان صوته ضعيفًا، يحمل بين حروفه أثر الألم والتعب، لكنه كان ثابتًا… مطمئنًا… كأن الوجع يسكن جسده فقط، أما قلبه فكان مشغولًا بأمرٍ أكبر من المرض.
فاجأني بفكرة مشروع: تطبيق يخدم المرضى والمنوَّمين، يخفف عنهم، ويكون لهم أنيسًا في وحدتهم، ورفيقًا في ساعاتهم الثقيلة. طلب مني ورقةً وقلمًا، وبدأ يُملي عليّ الأفكار والمحاور، وكان حريصًا على كل تفصيل، كأن الوقت يضيق، وكأن كل كلمة أمانة.
كنت أقود سيارتي، فسارعت بالتوقف على جانب الطريق حتى لا يفوتني حرفٌ مما يقول. وبينما كنت أدوّن كلماته، تسلّل إلى قلبي شعورٌ غريب… شعورُ مودِّعٍ يُرتّب وصاياه الأخيرة. حاولت أن أقطع ذلك الخاطر، فبادرت بالدعاء له:
سألت الله أن يشفيه، وأن يجمع له بين الأجر والعافية، وأن يلبسه ثوب الصحة من جديد.
انتهت المكالمة… لكن قبل أن يُغلق الخط، قال لي كلمةً ما زالت ترنُّ في أذني حتى اللحظة.
قال لي : تدري ليش أنا كلمتك؟
قلت: لا أدري.
قال: لأني أحبك.
توقفت الكلمات.
سكنت العبارات.
واختنق الصوت في صدري.
ما أعظمها من كلمة، وما أصدقها حين تخرج من قلب مربيٍ ناصح، ومعلمٍ مشفق، وأبٍ رحيم. لقد كان – رحمه الله – صاحب مشروع كبير، يحمل همّ الدعوة وهو في أشد لحظات ضعفه، ويوصي بخيرٍ حتى وهو على فراش المرض،
رحم الله شيخنا الفاضل، الحبيب، الكريم، سليمان أبا عبدالرحمن الجاسر.
رحمه الله رحمةً واسعة، وغفر له، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة.
هو الموت… ما منه ملاذٌ ومهرب،
متى حطّ ذا عن نعشه ذاك يركب.
لكن تبقى المواقف، وتبقى الكلمات، وتبقى المحبة التي لا يطويها الغياب.
اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده.
اللهم أحبه كما أحب عبادك، واجمعه بحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى.
اللهم اخلفه في عقبه بخير، واجعل ما قدمه صدقةً جاريةً في ميزان حسناته إلى يوم الدين.
وداعًا أبا عبدالرحمن…
الجنة الملتقى، بإذن الله. 💗




