وداعًا يا صاحبَ الكلمةِ الملياريّة…ويا من جعلتَ من الحرفِ جسراً تعبرُ عليه القلوبُ إلى الله.
رحل الشيخ سليمان بن جاسر الجاسر، ولم يكن رجلاً يقول فيُسمَع، بل كان يقول فيُثمِر؛ كأنَّ كلماته لم تُصَغ من حروف، بل من يقين. ما كانت مواعظهُ عابرةً كنسمةٍ في مجلس، بل كانت مفاتيحَ خزائن، تفتح أقفالَ النفوس قبل صناديق الأموال، وتوقظ في الأرواح معنى الوقف قبل أرقام الوقوف.
في العشر الأواخر، حيث تتنزل الرحمات وتلين القلوب، وقف في مصلى الأبراج بمكة، لا يحمل إلا صدقَه، ولا يستند إلا إلى إخلاصه، فانطلقت كلمةٌ من قلبٍ عامرٍ بالإيمان، فاستقرت في قلب تاجرٍ من أهل الخليج، فتحولت إلى قرارٍ يكتب في صحائف الخلود: ثلثُ مالٍ يُحبس في سبيل الله… ملياران شهدا أن للكلمة إذا خرجت من محراب الصدق سلطانًا لا يُقاوَم أوقفها التاجر المبارك مباشرة بعد كلمة الشيخ . تلك هي الكلمة الطيبة التي بارك فيها ربنا فأثمرت ثروة وقفية طائلة ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها؛ فإذا بالكلمة شجرة وقف، وإذا بثمرتها أجرٌ جارٍ ما دامت الأرض والسماء.
لم يكن مستشارًا في هيئةٍ الأوقاف وكذلك أوقاف الحرمين فحسب، بل كان بوصلةً تُعيد توجيه المال إلى معناه، وتردّ التجارة إلى بركتها. كان يُحدّث التجار عن “الاستدامة في الأجر” كما يُحدّث غيرُه عن الاستدامة في الربح؛ فيجعل من الوقف ميراثًا أبقى من العقار، ومن الصدقة الجارية استثمارًا لا يعرف الخسارة. أسس، وأرشد، وبنى في القلوب قبل أن يبنى في الحجر، فصار اسمه مقرونًا بكل مشروعٍ أُقيم بنيّةٍ صادقة، وكل مركزٍ وُلد من رحم الفكرة الصالحة.
بدأ معلّمًا، فكان التعليم عنده رسالةَ إحياء لا وظيفةَ أداء. لم يلقّن العقول وحدها، بل خاطب القلوب، وأوقد في طلابه جذوةَ المعنى، وحفّز زملاءه أن يكونوا دعاةَ قدوةٍ قبل أن يكونوا ناقلي معلومة. ثم مضى في درب التوعية الإسلامية، يحمل همَّ الإصلاح بهدوء الواثق، وحماسة المخلص، حتى صار صوته مألوفًا في ميادين الخير، ووجهه علامةً على الصدق حين يُذكَر الوقف أو تُستحضَر سيرةُ الباذلين.
أيها الراحل العزيز… ما كنتَ تحصي المليارات، بل كنتَ تُحصي النيات. وما كنتَ تتحدث عن الأرقام، بل عن الأثر. واليوم، وقد غبتَ عن أعيننا، بقي أثرك شاهدًا عليك لا لك؛ ملياراتٌ محبوسة في سبيل الله، مشاريعُ تمتدُّ كالأغصان، طلابٌ يحملون في صدورهم شيئًا من نورك، وألسنةٌ تلهج لك بالدعاء كلما مرّوا بثمرةٍ من ثمارك.
اللهم إن عبدك قد أتاك خفيفَ اليدين من الدنيا، مثقلاً بحسناتٍ أجريتها على يديه، فأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل ما كان سببًا فيه من وقفٍ وخيرٍ وعلمٍ نورًا يسعى بين يديه. اللهم اجعل كل مال أُوقف بسببه، وكل مشروعٍ قام بإشارته، وكل قلبٍ اهتدى بكلمته، شاهدًا له لا عليه، وارفَع درجته في عليين، واجمعه بمن أحب من الصالحين.
رحم الله صاحب الكلمة التي صنعت جسورًا من نور… وألحقنا به غير خزايا ولا مفتونين.




