728X90

فبراير 24, 2026

سليمان الجاسر ..مهندس الأوقاف | فهد العماري


- رجلٌ أوقف حياته ليُحيي أوقاف الأمة ..

- رحل الشيخ سليمان بن جاسر الجاسر صباح هذا اليوم . 

- رحل وبقي الذكر الحسن ، ورحل وبقي الأثر ..

 والذكر للإنسان عمر ثاني ..

والناس شهداء الله في أرضه .

١. السؤال الملحّ: هَمُّ الكتاب والوقف:

كان الشيخ سليمان الجاسر -رحمه الله- يحملُ عقليةً استثماريةً لليوم الآخر، فما إن يلتقي بصاحب قلمٍ أو فكرٍ حتى يباغته بسؤاله المعهود الذي ينم عن بعد نظر ، فكلما قابلته كان سؤاله: «ما هو كتابك الجديد؟ وهل جعلت لكتبك وقفاً يضمن استمراره؟». 

-  كان يؤمن أنَّ الكلمة إذا لم تُسند بوقفٍ يحميها وينشرها، فقد تموت بموت صاحبها، أما الوقف فإنه يجعلُ مداد العلماء سيلاً لا ينقطع، ونوراً لا ينطفئ، وأجراً لا يقف عند عتبة القبر.

٢. الرحلة من المختبر إلى المحراب:

- لقد كانت مسيرة الشيخ تحولاً مباركاً؛ فمن تدريس "العلوم التطبيقية" التي تشرح نواميس الكون، إلى "العلوم الشرعية" التي تشرح مقاصد الوحي، ثم إلى إدارة "التوعية الإسلامية" بمدارس الرياض.

-  لم يكن هذا مجرد تدرجٍ وظيفي، بل كان توفيقاً إلهياً ليختم حياته بأعظم مشروع؛ فبعد التقاعد، لم يخلد إلى الراحة، بل انطلق بمشروعه الذي صهره في بوتقة خبراته السابقة، ليكون "مهندساً للأوقاف" ومربياً للأجيال على العطاء.

٣. الرسالة: استنطاقُ الأموال بالصدقة الجارية:

- حمل الشيخ على عاتقه مشروعاً تنوء به العصبة أولو القوة؛ وهو توجيه بوصلة "أهل الدثور" والأثرياء نحو الأوقاف.

 كان يأخذ بأيديهم ليروا أموالهم كجسورٍ يعبرون بها إلى الجنة، وكظلالٍ يستظلون بها في هجير القيامة. 

- جعل من الوقف ثقافةً يعيشها الناس، لا مجرد إجراءٍ قانوني، بل صدقة جارية تتدفق حسناتها في سجلاتهم آناء الليل وأطراف النهار، وهم تحت التراب.

٤. الدال على الخير.. ١٤ ملياراً في ميزان واحد:

- لم يكن مشروعه مجرد فكرة عابرة، بل كان هَمّاً يسكن دروسه، ومجالسه، ودوراته، وكتاباته. 

فكانت النتيجة مذهلةً بمقاييس البشر: ١٤ مليار ريال كانت ثمرة دلالته وإخلاصه. 

- هنيئاً له هذا الرقم المهيب الذي لا يقابل بمال الدنيا، بل بمقعد صدقٍ عند مليك مقتدر، فكم من جائعٍ أُطعم، وطالبٍ عُلّم، ومسجدٍ بُني بفضل الله ثم بجهد هذا الرجل الذي جسد قاعدة: «الدال على الخير كفاعله».

" والمؤمن كالغيث أينما وقع نفع ".

٥. بركة الوعظ وسرُّ التأثير:

- ذات مرة، قام واعظاً في مصلى بجوار الحرم، فلم يخطب بلسانه فحسب، بل بصدق سريرته؛ فهزَّ وجدان رجلٍ يملك ستة مليارات، فما كان من الرجل إلا أن تبعه وأعلن وقف "ثلث ماله" فوراً.

 - وفي مجلس آخر، فاضت ينابيع الخير بقرابة المليار بمجرد تذكيره. 

- لقد كان الشيخ كالغيث؛ أينما وقع نفع، وكان قوله يقع في القلوب لأنه خرج من قلبٍ لا يريد إلا وجه الله.

٦. النقاء من الحسد.. وسلامة الصدر:

- كان الشيخ نموذجاً فذاً في حب الخير للناس؛ يحب لهم من الرفعة والمال والأجر ما يحب لنفسه. 

- أحسبه كان نقياً من الحسد، حَفِيّاً بالعلم وأهله، معظماً لقرابة العلم والفضل.

 - كان سليم الصدر، تعلوه سكينة العارفين وطمأنينة الذاكرين.

 - لم يضيع دقيقة من عمره في صراعٍ أو خصومة، ولم يشغل باله بتتبع سقطات الناس أو عوراتهم، بل كان ينسج المعاذير للجميع بقلبٍ رحب.

٧. الوفاء والمواساة وقضاء الحاجات:

- عاش ناصحاً بصدق، مواسياً لإخوانه في ملماتهم، غير طعانٍ في الظهور، بل كان وفيّاً واصلاً لمن عرف ومن لم يعرف. 

كان "شفاعاً" بمرتبة الشرف، - يسعى في قضاء حاجات الناس بوجاهته وجهده وقته، ولا يهدأ له بال حتى تُقضى الحاجة، مستنيراً بقوله ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

٨. الابتلاء والصبر.. الحياة الوقفية:

- لم تكن حياته وردية، بل صهرته الابتلاءات في نفسه وأهل بيته، فما زاده البلاء إلا صبراً واحتساباً. لقد كانت حياته برمتها "وقفاً لله"؛ وقته، جهده، فكره، ووجاهته.

- وهكذا هي سير العظماء؛ لا يموتون إلا وقد غرسوا في الأرض ما لا تجتثه الرياح.

٩. رسائلُ الرحيل والبقاء:

- إلى الجيل الصاعد: لا تكن رقماً عادياً في زحام البشر. 

- كُن صاحب "هدف رباني" تعيش له وتموت عليه، تنفس مشروعك في كل شهيق وزفير، صباحاً ومساء ،  فالعظمة تبدأ بقرار الصدق مع الله.

- إلى أهل الثراء: الدنيا سوقٌ ثم ينفضّ، فما ربح فيها إلا من قدّم لآخرته وقفاً يبقى، ووصيةً تزهو.

 - اجعل مالك حارساً لك في قبرك لا خصماً عليك في حسابك .

- إلى التائهين والعابثين: السفر طويل، والزاد قليل، والعمر محدود. من العجب العجاب أن يضيع العمر في التوافه والسفاسف لرجلٍ خلق لخلافة الأرض! .

- عظم الله أجر من مات بلا رسالة، وأحسن عزاء من عاش بلا هدف. 

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها     فالذكر للإنسان عمر ثاني

ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته   ما قاته وفضول العيش أشغال

١٠- العُمر الثاني: حين يكونُ الأثرُ هو الوجود 

«ذِكرُ الفَتى عُمرُهُ الثاني» أعظمَ حقائق الوجود الإنساني؛ فهو يقرر أنَّ الإنسان كائنٌ ثنائيُّ العُمر: عُمرٌ بيولوجي مادي يمحوه الموت، وعُمرٌ معنوي قيمي يبعثه الأثر. 

- إنَّ العمر الحقيقي في عرف العظماء لا يُحسب بدوران الأرض حول الشمس، بل بـدوران الأثر في حياة الناس؛ فبعد أن تنطفئ شعلة الجسد، تظل سيرةُ المرءِ شمساً تشرقُ على الألسن والقلوب، وهذا هو "البعث الدنيوي" الذي يمنح الفناءَ مَعنى الخلود.

١١. هندسةُ الكفاية.. والقوتُ حارسُ الكرامة:

«وَحاجَتُهُ ما قاتَهُ» ليضع ميزاناً دقيقاً للاحتياج البشري. 

الحاجةُ هنا ليست مجرد سدِّ جوع، بل هي الحدُّ الفاصل الذي يحفظ على الإنسان دينه وكرامة نفسه وحرية فكره. القوتُ هو الوقود الذي يشعلُ فتيل الإبداع، فإذا ما تحققت الكفاية، تحرر العقل من قيود الأرض ليحلق في سماء المعنى. 

- إنَّ العظيم يرى في القوت "وسيلة" للبقاء، بينما يراه غيره "غاية" للفناء.

١٢-. فُضول العيش.. عبءُ التملّك وقيدُ الروح:

«وَفُضولُ العَيشِ أَشغالُ » الترف الزائد والامتلاك المفرط ليس إلا استهلاكاً لجوهر الحياة.

 - كلُّ قطعةِ أثاثٍ زائدة، أو مالٍ مكدسٍ بلا أثر، هي "شغلٌ" يستنزفُ الوقت والجهد والصفاء الذهني.

 -  إنَّ الانغماس في "الفضول" هو في الحقيقة هروبٌ من مواجهة الحقيقة؛ فبينما يظن المرء أنه يمتلك الأشياء، فيكتشفُ متأخراً أنَّ الأشياء هي التي امتلكته، وسرقت منه صفاء مناجاته، وطمأنينة خلوته، وعمرَه الذي كان يجب أن يُنفق في "العمر الثاني".

*ختاماً..

رحم الله الشيخ سليمان الجاسر، الذي علمنا أنَّ الإنسان يمكن أن يكون "مؤسسة" في رجل، وأنَّ الصدق مع الله هو العملة الوحيدة التي لا تكسد أبداً.



         ٦ / ٩ / ١٤٤٧هـ


___________