الشيخ سليمان بن جاسر بن عبدالكريم الجاسر رحمه الله عرفته حينما دخلت معه في برنامج تدريبي قبل ست سنوات
لم يكن رجلاً عابراً في سجل العمل الوقفي، بل كان صفحةً ناصعةً من صفحاته، وساريةً ثابتةً من سواريه، ورمزًا من رموز رجاله الذين جمعوا بين صدق التوجه، ووضوح الرؤية، وعمق الأثر.
توفي رحمه الله وقد خلّف أثرًا لا يُمحى، وجهودًا جليلةً في خدمة الأوقاف، فقد كان من الأوائل الذين مهّدوا الطريق، ودلّوا المختصين على معالم هذا الباب العظيم، وربطوا الناس بمعانيه السامية، ومقاصده الشرعية، وآثاره الممتدة عبر الأجيال.
لم يكن حديثه عن الوقف تنظيرًا مجردًا، بل كان تجربةً حيّة، وبصيرةً نافذة، ورؤيةً علميةً واضحة، يدرك بها أن الوقف ليس بناءً من حجر، بل بناءُ إنسانٍ، وصناعةُ مستقبلٍ، وإحياءُ أثرٍ يبقى بعد رحيل صاحبه.
كان رحمه الله مدرسةً في سمته قبل كلمته؛ فما رأيته إلا ذاكرًا، حاضر القلب، صادق النصيحة، بشوش المحيا، متواضعًا في هيئته، عظيمًا في أثره، قد خطّ السجود أثره على جبينه، وخطّ الإخلاص أثره في حياته، فكان ممن إذا رؤوا ذُكر الله، وإذا تحدثوا نفعوا، وإذا نصحوا أخلصوا.
لم يكن همه أن يُذكر اسمه، بل أن يبقى العمل، ولم يكن يسعى إلى ظهورٍ أو ثناء، بل إلى أثرٍ ممتدٍ في ميزان حسناته.
فكم من فكرةٍ وقفيةٍ دعمها، وكم من محبٍ للعمل الخيري شجّعه، وكم من مشروعٍ وُلد بكلمةٍ منه، أو توجيهٍ صادقٍ خرج من قلبٍ عامرٍ بالإيمان.
لقد كان رحمه الله مثالاً لطالب العامل، والمربي الناصح، والرجل الذي أدرك أن أعمار الرجال تُقاس بما يتركونه من أثر، لا بما يعيشونه من زمن فرحل الجسد، وبقي الأثر، وغاب الصوت، وبقي الصدى، وفُقدت العين، وبقي النور الذي أضاء به الطريق.
نسأل الله أن يجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأن يبارك في أثره، وأن يجعل الأوقاف التي خدمها، والأعمال التي دلّ عليها، شاهدةً له لا عليه، وأن يجزيه عن العمل الوقفي وأهله خير الجزاء، وأن يرفعه في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وجعل ذكراه أثرًا مباركًا، وسيرته نبراسًا لكل من أراد أن يسلك طريق الوقف، ويغرس لنفسه أثرًا لا ينقطع.




